ثروته تتجاوز 53 بليون دولار بيل غيتس يخرج من مايكروسوفت ليدخل التاريخ
ينفتح الباب أمام أسئلة كبرى عن ويليام (بيل) هنري غيتس الثالث، الرجل الذي يأتي في طليعة من نهضوا بالتحوّل المعلوماتي الذي يصنع ملامح الأزمنة المعاصرة، مع إعلانه رسمياً استقالته من مهماته القيادية في شركة «مايكروسوفت» التي أسسها العام 1975. فبأي صورة يذكره التاريخ: المُبْتَكِر الذي نبغ مبكراً وكتب برنامجاً رقمياً في الـ13 من عمره، ثم صنع نظاماً لتشغيل الكومبيوتر يدير 94 في المئة من الحواسيب، أم المُحتَكِر الذي ساهم في رفع مسألة حقوق المُلكية الفكرية ليجعلها قلعة تتجمع خلفها أرباح خيالية للشركات العابرة للقارات، ومنها شركته؟
وللتذكير، فإن كياناً سياسياً هائلاً مثل الاتحاد الأوروبي ناء بثقل سطوة «مايكروسوفت» على عالم المعلوماتية ونُظُمها وتطبيقاتها، فأدخلها في المحاكم سنوات وفرض عليها غرامات بأصفار جمّة، كي يرغمها على كشف بعض من شيفرة نظام «ويندوز» المتصلة ببرامج الموسيقى والترفيه.
فهل تبقى من غيتس صورة المستثمر الساعي بضراوة الى الربح خصوصاً عبر احتكار المعرفة، كما يصفه البروفسور لورانس ليسييغ، المستشار المعلوماتي للرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون؟ ولمَ لا؟ ألم يستغرق الإعلام في وصف حرب الـ «بليّن» غيتس وكلينتون، حين عزم الأخير على كسر احتكار المعرفة الذي تمارسه «مايكروسوفت» على نظام التشغيل «ويندوز»، وجرت بينهما جولات في المحاكم. واللافت أن تلك الحرب انتهت بفوز غيتس صاحب الشركة العملاقة، وتفوقه على رئيس القوة العظمى المتفردة عالمياً! بعدها، ردّدت أوساط كثيرة في الحزب الديموقراطي أن «مايكروسوفت» ساهمت بقسط وافر في دعم الحملة الرئاسية للمرشح الجمهوري (حينها) جورج بوش في مواجهة آل غور، نائب الرئيس كلينتون. في مثل تلك الحدود المرتفعة، يمكن النظر الى تأثير الرجل وهيمنته وقوته وهو يترك مناصبه الجمعة المقبل لزميله المهندس المعلوماتي ستيف بالمر الذي يحتل منصب المدير التنفيذي في «مايكروسوفت». وأعلن غيتس أنه سيُكرّس وقته بعدها، لإدارة «صندوق بيل وميلندا غيتس» الخيري.
على تلة تشرف على مياه المحيط الهادئ، يرتفع قصر شامخ في ضاحية «بل فيو»: إنه منزل غيتس الذي يوصف بأنه مجمّع لأحدث أدوات المعلوماتية وأكثرها غرابة وأقربها إلى الخيال، إضافة الى تمتعه بفخامة أسطورية مصدرها ثروة باتت تفوق 53 بليون دولار.
في المقابل، فإن الرجل الذي احتل لأكثر من 15 عاما رأس قائمة مجلة «فوربس» عن الأكثر ثراء، قبل أن يحل في المرتبة الثالثة العام الماضي، لم يولد غنياً. ففي 28 تشرين الأول (اكتوبر) 1955، رأى غيتس النور في «سياتل»، وكافحت أمه بشدة لتضمن له تعليماً لائقاً. وبفضل تفوقه، حاز منحة للدراسة في هارفرد. هناك، تعرّف الى بول آلن، ودرسا معاً لغة البرمجة «بيزك». وتدربا على تطويع تلك اللغة لتصبح يسيرة بحيث يمكن استعمالها لإدارة الحواسيب الصغيرة. وسرعان ما أدركا أن التحوّل المعلوماتي شرع في الانطلاق بقوة كبيرة، فقررا القفز الى قطاره فوراً.
ترك غيتس الجامعة من دون أن يصل الى التخرّج، ليؤسس مع آلن شركة «مايكروسوفت»، وبتطويع لغات البرمجة وتحويل كتابتها الى اللغة العادية، وُلد نظام التشغيل «دوس». واشترته شركة «أي بي ام» لصناعة الكومبيوتر. وبرزت مواهب غيتس كمستثمر لا يرحم، حين استطاع إرغام تلك الشركة على الارتباط حصرياً بنظام «دوس». وسرعان ما تفوق عليها. وبعدها، تطوّر ذلك النظام تدريجاً ليتخذ هيئة نظام التشغيل الأشهر «ويندوز». واستقرت شركة «مايكروسوفت» في مقر هائل في ضاحية ردمونت في مدينة سياتل، على مسافة غير بعيدة كثيراً من منزل غيتس.
وتحوّلت سياتل أيضاً الى عاصمة المعلوماتية، ونافس صيتها «وادي السيليكون». وجاءت إليها شركات مثل «إي باي» و «بارنز أند نوبلز» وغيرهما. في المقابل، وربما لهذا السبب تحديداً، شهدت سياتل»الانتفاضة الأولى ضد العولمة التي تسير برافعات، منها المعلوماتية التي يُعتبر بيل غيتس أبرز رموزها.